السيد محمد تقي المدرسي

258

من هدى القرآن

تعدو كونها مجرد نتائج لها ، وهذه من أهم خصائص الحركات الرسالية . ومع أننا نقرأ في الآية معالم الوضع القائم إلا أن الظاهر منها هو الإشارة إلى البدائل الحضارية الثلاثة « اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ » مما يؤكد أن التفكير في البدائل من قبل المصلحين لا يقل أهمية عن التفكير في جذور التخلف ، بل إنه الأهم ، إذ كيف يعرف الناس أن المسيرة تكون إلى الأمام بعد هدم الواقع إذا لم تكن البدائل مطروحة بوضوح كافٍ ! . ولقد جسَّد نوح عليه السلام هذه القيمة في حركته فأكد : أن تحكيم القانون الإلهي - ( بعبادة الله ) والذي لا يتم إلا ( بالتقوى ) وتطبيق تفاصيل النظام الاجتماعي من جهة ، والطاعة للقيادة الرسالية من جهة أخرى - هو البديل القويم للوضع الفاسد ، ومن ثم السير بالمجتمع نحو الحياة الأفضل . ونستطيع القول : إن عبادة الله بديل للأصول المنحرفة ، والتقوى بديل للفروع الخاطئة ، والطاعة للقيادة الرسالية من أجل إصلاح الممارسات اليومية والسلبية ، وبالتعبير القانوني الحديث تمثل عبادة الله الدستور ( الخطط الأصولية العامة ) وتمثل التقوى القانون ( مجموعة القوانين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية و . . . ) ، وتمثل الطاعة للقيادة اللوائح ( مفردات الأمور والتطورات ) ومن هنا قال بعض المفسرين : وفي الآية ندب إلى أصول الدين الثلاثة : التوحيد المشار إليه بقوله : « اعْبُدُوا اللَّهَ » ، والمعاد الذي هو أساس التقوى ، والتصديق بالنبوة المشار إليه بالدعوة إلى الطاعة المطلقة ] « 1 » . وفي قول نوح عليه السلام : « وَأَطِيعُونِ » دلالة واضحة وأكيدة على ضرورة بل وجوب أن يطرح القائد المصلح نفسه بديلا للقيادة المنحرفة ، لأنه ما دام قادرا على تخليص المجتمع من بليته فهو مسؤول عن النهوض بمهمته ودوره ، وفي الإسلام تفريق بين حب الرئاسة الذي يبغضه الله ، وطموح الإمامة الذي يندب إليه ويفرضه على أهل الكفاءة ، حيث إن مثل الآية : « وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً » [ الفرقان : 74 ] . فكيف عن تطلع الرساليين أن يكونوا القدوة للطليعة وليس مجرد الطليعة . وأنهم يحملون روح التنافس على الخير والاستباق إليه . ويؤول الأمر برمته إلى السعي لنفع عباد الله واستصلاحهم . ثالثاً : التأكيد على المعطيات وهذا من الأصول في كل دعوة ، أن يبين الداعية المعطيات التي تنبثق عن اتباع دعوته ، ولا ينبغي للرساليين الغفلة عن ذلك ، لأنه يساهم بصورة إيجابية فعالة في دفع المجتمع للالتزام بالمنهج المطروح ، وخلق ديناميكية التطبيق في نفوس أفراده ، ولعل ذلك من دواعي تفصيل

--> ( 1 ) تفسير الميزان : ج 20 ، ص 27 .